ابن كثير
64
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغير الأديان ، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم ، والحاجة إليه أمر عمم ، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد ، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين ، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين . كما قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة عن مطرف ، عن عياض بن حماد المجاشعي رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطب ذات يوم ، فقال في خطبته « وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا ، كل مال نحلته عبادي حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ، ثم إن اللّه عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم : عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من بني إسرائيل ، وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرأه نائما ويقظان ، ثم إن اللّه أمرني أن أحرق قريشا فقلت : يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة « 2 » ، فقال : استخرجهم كما استخرجوك ، واغزهم نغزك ، وأنفق عليهم فسننفق عليك ، وابعث جيشا نبعث خمسا أمثاله ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط موفق متصدق ، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق ، وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا دين له ، والذين هم فيكم تبع أو تبعا - شك يحيى - لا يبتغون أهلا ولا مالا ، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه ، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك ، وذكر البخيل أو الكذاب ، والشنظير الفاحش . ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة ، عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخير ، وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف ، وقد ذكر الإمام أحمد « 3 » في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه ، ثم رواه هو عن روح ، عن عوف ، عن حكيم الأثرم ، عن الحسن قال : حدثني مطرف عن عياض بن حماد فذكره . ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به . والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله « وإن اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل » وفي لفظ مسلم : من أهل الكتاب فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث اللّه
--> ( 1 ) مسند أحمد 4 / 162 . ( 2 ) أي يشدخوا رأسي فيجعلوه مكسورا كالخبزة . ( 3 ) مسند أحمد 4 / 266 .